الشيخ الطبرسي
519
تفسير جوامع الجامع
( إنْ أُمَّهَتُهُمْ ) أي : ما أمَّهَاتُهُم علَى الحَقيقَةِ ( إِلاَّ الْئِى وَلَدْنَهُم ) وَغَيْرُهُنَّ مُلْحَقَاتٌ بِهِنَّ لِدُخُولِهِنَّ في حُكْمِهِنَّ ، فالمُرْضِعَاتُ دَخَلْنَ بالرَّضَاعِ في حُكْمِ الأُمَّهاتِ ، وكذلك أَزْواجُ رَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أُمَّهَاتُ المؤْمنينَ ، لأنَّ اللهَ تعالى حَرَّمَ نكَاحَهُنَّ علَى الأُمَّةِ ، فَدَخَلْنَ بذلك في حُكْمِ الأُمَّهاتِ . وأَمَّا الزَّوجَاتُ فأَبْعَدُ شَيْء من الأُمُومةِ ، لأنَّهنَّ لَسْنَ بأُمَّهات علَى الحقيقةِ ، وَلاَ بِدَاخِلات فِي حُكْمِ الأُمَّهاتِ ، فكانَ قَولُ المُظَاهِرِ ( مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ ) تَنْكُرُهُ الحَقيقةُ وتَنْكُرُهُ الأَحكَامُ الشَّرعيَّةُ ، ( وَزُوراً ) وَكَذِباً بَاطِلاً منْحَرِفاً عن الحقِّ ( وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) لِمَا سَلَفَ منْهُ إذا تِيبَ منْه . ( ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ ) فيهِ وجُوهُ : أَحَدُها : أنَّ المُرادَ : والَّذينَ كانُوا يقُولُونَ هذا القَوْلَ المنْكَرَ فَتَركُوهُ بالإِسلامِ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمِثْلِهِ ، فَكَفَّارَةُ مَنْ عَادَ أَنْ يُحَرِّرَ رَقَبَةً - أي : يُعْتِقَها - ثُمَّ يُمَاسُّ امرأَتَهُ التي ظَاهَرَ منْها ، لا يَحِلُّ لَهُ مَمَاسَّتَها إلاَّ بَعْدَ تَقْديمِ الكَفَّارَةِ . وَثَانِيها : أنَّ المعنى : ثُمَّ يَتَداركُونَ ما قَالُوا ، لأنَّ المُتَدَاركَ للأَمْرِ عَائِدٌ إليهِ ، ومنْهُ المَثَلُ : " عادَ غَيْثٌ على ما أَفْسَدَ " أي : تَدَارَكَهُ بالإِصْلاحِ . ومَعْنَاهُ : أَنَّ تَدَارُكَ هذا القَوْلِ وتَلاَفِيَهُ بأَن يُكَفِّر حتَّى يَرْجعَ حَالُهُما كَمَا كانَتْ قَبْلَ الظِّهَارِ . وَثَالِثُها : أَن يكُونَ المُرادُ بِمَا قَالُوا : ما حَرَّمُوهُ على أَنْفُسِهِم بِلَفْظِ الظِّهَارِ تَنْزيلاً للمَقُولِ مَنْزلَةَ المَقُولِ فيهِ ، نَحْوُ ما ذُكِرَ في قَولِهِ تَعالى : ( وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ) ( 1 ) ، ومَعنَاهُ : ثُمَّ يُريدُونَ العَوْدَ للتَّمَاسِّ ، وهو الاستِمْتَاعُ بهَا من جِمَاع أَو لَمس بشَهْوَة ( ذلِكُمْ ) الحُكْمُ ( تُوعَظُونَ بِهِ ) لأنَّ الحُكْمَ بالكَفَّارَةِ دَليلٌ على ركُوبِ الإِثْمِ والجنَايَةِ ، فَينْبَغي أَن يَتَّعِظُوا بهذا الحُكْمِ حتَّى لا يَعُودُوا إلَى الظِّهَارِ .
--> ( 1 ) مريم : 80 .